فخر الدين الرازي
202
المطالب العالية من العلم الإلهي
حضرت في بعض المجالس . فتمسك بعض الحشوية بما يروون : أنه عليه السلام . قال : « إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات » فقلت : إنه لا يجوز إسناد الكذب إلى خليل اللّه بمثل هذا الخبر الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف . فقال الحشوي - كالغضبان عليّ - كيف يجوز تكذيب الراوي ؟ فقلت له : العجب منك ومن دينك ، حيث تستبعد تكذيب الراوي ، ولا تستبعد براءة خليل اللّه عن الكذب ، ولو قلبت القضية لكان أنفع لك في دينك ودنياك . الوجه الثاني في بيان أن خبر الواحد : مظنون الصحة : إنا إذا رجعنا إلى أنفسنا ، علمنا بالضرورة أن هذا الشّخص لا يمكننا أن نجزم بصحة قوله ، إلا إذا تأيد قوله بالمعجزات ، أو بشيء من قرائن الأحوال . فأما مجرد الخبر الصادر عن هذا الإنسان ، فإنه لا يبعد أن يكون كذبا ، والعلم بحصول هذا الجواز ضروري . والثالث : أجمعنا على أن شهادة الشخص الواحد ، غير كافية . ولهذا السبب لما شهد « علي بن أبي طالب » مع « أم أيمن » في قصة « فدك » قال « أبو بكر » : لا بد من رجلين ، أو رجل وامرأتين . ولو كان قول الواحد يفيد العلم ، لوجب أن تكون شهادته كافية . الرابع : إن قول الأربعة لا يفيد العلم . فقول الواحد أولى أن يفيده . إنما قلنا : إن قول الأربعة لا يفيد العلم ، لأنه لو جعل العلم بخبر أربعة ، لكان لا يجوز ورود التعبد بقبول شهادتهم ، لا إذا زكاهم المزكى ، ما لم يحصل العلم بصدقهم . لأن من المعلوم أن الحاكم إذا شهد عنده أربعة . بأن فلانا زنا بفلانة ، ولم يعلم الحاكم صدقهم . فإنه لا يرد شهادتهم ، بل يرجع في ذلك إلى المزكى . فإن حصلت التزكية قبل شهادتهم ، وإن حصل الجرح ردّها . ولو كان العلم يحصل بشهادتهم ، لكان يستغني عن الجرح والتعديل . فلما علمنا وجوب الرجوع إلى المزكى ، مع فقد العلم بما شهدوا ، علمنا أن خبر الأربعة لا يفيد العلم . فثبت بهذه الوجوه الأربعة : أن خبر الواحد ، لا يفيد إلا الظن ، فوجب